السيد علي عاشور
119
موسوعة أهل البيت ( ع )
والتواتر يتحقق في أصول الشرائع كثيرا ، وقليل في الأحاديث الخاصّة وإن تواتر مدلولها ، حتّى قال أبو الصّلاح من سئل عن إبراز مثال لذلك أعياه طلبه ، نعم حديث : « من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّء مقعده من النّار » يمكن ادعاء تواتره ، فقد نقله عن النّبي من الصحابة الجم الغفير . انتهى « 1 » . قال المجلسي في مرآة العقول : من المعلوم أنّ الصّحابة وأصحاب الأئمّة لم يكونوا يكتبون الأحاديث عند سماعها ، ويبعد بل يستحيل عادة حفظهم جميع الألفاظ على ما هي عليه ، وقد سمعوها مرّة واحدة خصوصا في الأحاديث الطويلة ، مع تطاول الأزمنة ، ولهذا كثيرا ما يروى عنهم المعنى الواحد بألفاظ مختلفة ، انتهى ما أردنا من نقل كلامه . أمّا القرآن الكريم فإنّه المنزّل من اللّه تعالى المحفوظ على هيئته التي نزلت بلا تغيير وتبديل في ألفاظه بلا خلاف ، بل اتفق الكلّ من المسلمين وغيرهم على أنّ القرآن بين الكتب المنزلة هو الكتاب الذي لم يتطرق إليه تحريف أو تصحيف أو زيادة أو نقصان مطلقا . فإذا كانت الأحاديث على ذلك المنوال ، فيأتي البحث في الأخبار على أطوار كثيرة مضبوطة في كتب الدّراية والرّجال وغيرهما ، مثلا ينظر في الرّاوي هل كان أهلا للنقل أم لا ، كما روى الكلينيّ في الصحيح عن محمّد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد اللّه : أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص . قال : إن كنت تريد معناه فلا بأس « 2 » . وبالجملة الكلام في القرآن والحديث ، هو ما ذكره مولى الموحدين أمير المؤمنين عليّ نقله الرّضي في النّهج ، كما مضى في الخطبة الثمانية والمئتين وكذا نقله الكلينيّ في الكافي وفي الوافي ( ص 62 م 1 ) . روى الكلينيّ بإسناده عن أبان بن عيّاش عن سليم بن قيس الهلالي قال : قلت لأمير المؤمنين : إنّي سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي اللّه غير ما في أيدي النّاس ، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت في أيدي النّاس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ، ومن الأحاديث عن نبي اللّه أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون أنّ ذلك كلّه باطل ، أفترى النّاس يكذبون على رسول اللّه متعمّدين ويفسّرون القرآن بآرائهم قال : فأقبل عليّ فقال : قد سألت فافهم الجواب : إنّ في أيدي النّاس حقا وباطلا وصدقا وكذبا وناسخا ومنسوخا وعامّا وخاصّا ومحكما ومتشابها وحفظا ووهما ، وقد كذب على رسول اللّه على عهده حتّى قام خطيبا فقال : أيّها النّاس قد
--> ( 1 ) نهج البلاغة : 2 / 189 ، ووسائل الشيعة : 1 / 14 . ( 2 ) الكافي : 1 / 51 ح 2 ، والبحار : 2 / 164 .